المطران أنطوان-شربل طربيه عن مشاركته في سينودس العائلة :السينودس يدعو الى المرافَقةِ الرعويةِ والروحيةِ لكل العائلاتِ المسيحيةِ ويندد بالإباحيةِ وتسويقِ الدَّعارةِ في وسائل التواصلِ الاجتماعي


 

 عقد راعي أبرشية اوستراليا المارونية المطران أنطوان-شربل طربيه مؤتمرا صحفيا بعد عودته من المشاركة في سينودس العائلة

جاء فيه ما يلي:

أتوجهُ بالشكرِ في البدايةِ الى ممثِّلي مختلَف وسائلِالاعلامِ الذينَ يشاركونَ في هذا المؤتمرِ الصّـِحَفيِّاليوم، والذي يدورُ حول َمشاركتي في الدورةِ العاديةِ لسينودوس ِالاساقفةِ والذي عُقِد َمن الرابعِ الى الخامسِ والعشرينَ من تشرينَ الاولِ 2015 في حاضرةِالفاتيكان في روما، بدعوةٍ من قداسةِ البابا فرنسيس، لطرحِ ومناقشةِ التحدياتِ والمشاكل التي تواجهُ العائلةَ في عالمِ اليوم.

تحضيراً لهذا لسينودوس، قام المطارنةُ الموارنةُ في اجتماعهِم غيرِ العادي في شهرِ آذار 2015 بانتخابِ كلٍ من صاحب ِالسيادةِ المطران انطوان نبيل عنداري ليمثلَ المورانةَ والابرشيات ِفي النطاقِ البطريركي وتمَّ انتخابي (المطران انطوان-شربل طربيه) لتمثيلِ الموارنةِ والابرشيات ِالمارونيةِ في بلدانِ الانتشار. وقد شاركَ صاحب ُالغبطةِ والنيافةِ البطريركُ الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي الكليُّ الطوبى لكونِه رأسَ الكنيسةِالمارونية، ومعه شاركَ أيضاً البطاركةُ الستةُ الكاثوليك ُالشرقيونَ في أعمالِ السينودوس.

وكما ابتدأتِ الدورةُ العاديةُ لسينودوسِ الاساقفةِ في الرابعِ من تشرينَ الاولِ انتهت ْفي الخامسِ والعشرينَ منه بقداسٍ احتفاليٍ في كنيسةِ القديس ِبطرس، ترأسه قداسةُ البابا فرنسيس بمشاركةِ البطاركةِ والكرادلةِ والأساقفةِ آباءِ السينودس، بالاضافةِ الى المشاركينِ الآخَرين َمن عِلمانيينَ ومندوبي الكنائسِ الاخرى الشقيقة.

ويومَ السبتِ الواقعِ فيه الرابعُ والعشرونَ من تشرينَ الاول 2015 قامتْ لجَنةُ الصياغةِ العَشْرِية ، المعينّةُ من قِبَلِ البابا فرنسيس، بتوزيعِ وثيقةٍ من أربعةٍ وتسعينَ بَنداً، تتضمنُ خلاصةَ الاقتراحاتِ والمناقشاتِ والملاحظاتِ التي طرحها آباءُ السينودس، والمشاركونَ فيه على مدى الاسابيعِ الثلاثة. وبعدَ التصويتِ عليها بنداً فبنداً، رفعَها الكاردينال بلديسري سكرتيرُ السينودوس، الى قداسةِ الحَبرِ الأعظمِ لكي يُقررَ بشأنِها. وهنا شكرَ قداسةُ البابا كلَّ الذينَ عَمِلوا لانجاحِ السينودوس، خصوصاً الذينَ عَمِلوا من وراءِ السِّتار، وأعربَ عن سرورِه بما أُنْجِزَ قائلاً: “إنَّ الروحَ القدسَ لا يتخلى ابداً عن الكنيسة”، ودعا الى نشرِ الوثيقةِ كما هي بعدَ ترجمتِها وإعدادِها.

فخِبرةُ المجامعِ الكنسيّةِ خبرةٌ فريدةٌ جداً تجْعلُنا نعيشُ مسيرةً كنَسيةً، معَ بعضنا البعض، مُصغينَ الى همساتِ وإلهاماتِ الروحِ القدس. ومع كل ِّسينودوس تخطو الكنيسةُ عدَّةَ خطواتٍ الى الأمامِ على مختلَفِالصُّعُدِ، وبنوعٍ خاصٍ على الصعيدينِ الرعَويِّوالرسوليِّ ، من اجلِ مواكبةِ متَطَلَّباتِ العصرِ ومرافقةِ ابنائِها خصوصاً الضُّعفاءَ والمهَمَّشين. من هذا المنطلقِتتبلورُ مَهَمَّةُ السينودوسِ الرعويِّ في الكنيسةِ الكاثوليكية، والتي تَهدِفُ الى تطويرِ تعليمِ الكنيسةِ وتحديثِه، وشرحِ العقائدِ الايمانيةِ للمؤمنينَ بطُرق افضل.

فالوثيقةُ النهائيةُ التي اصدرها السينودوس، مؤلفةٌ من مُقدِّمةٍ وثلاثةِ اقسامٍ يحْوي كلٌّ منها على عدةِ فصول،بالاضافةِ الى خاتِمةٍ وصلاةٍ للعائلةِ المقدسة. واريدُ ان اتوقفَ معكم عند أربعِ نِقاطٍ اساسيةٍ استخلصْتُها من هذه الوثيقةِ ومن مشاركتي في السينودوس:

1. يدعو آباء السينودوس ابناءَ الكنيسةِ الى تجديدِ اكتشافِهم “لجمالِ الزواجِ والعائلة”، من خلالِ الامثلةِ الكثيرةِ للعائلاتِ المسيحيةِ التي تعيشُ حياتَها بفرحٍ وسلامٍ ملتزمةً بدعوتِها المسيحيةِ، ومنفتحةً على الآخرين، معتبرةً ايّاهُم هِبَةً منَ اللّه. وثمّنَ السينودس دورَ العائلاتِ التي لم تتخلَّ عن التزامِها العائليِّوالكنَسيِّ بالرغمِ من الصِّعابِ والتحدياتِ المؤلمةِ احياناً، فالتزمتْ بالزواجِ واهتمتْ بالأبناءِ واحترمتِ الأجداد. ودعا السينودوس الحكوماتِ والدُّوَلَ الى حمايةِ العائلةِوتحصينِها وتشجيعِها، خصوصاً الأُسَرَ ذاتَ الـمُعيلِ الواحدِ والدخلِ المحدود. كما أكّدَ الآباءُ على ضرورةِ التحضيرِ للزواجِ تحضيراً ملائِماً يتناسبُ والتحدياتِالتي تواجهُ الازواجَ والعائلاتِ في عالمِ اليوم، بالاضافةِالى إعدادِ الكهنةِ والتركيزِ في تنشئتِهم على شؤونِ الزواجِ والعائلة.

2. أكدَ السينودوس على وظائفِ العائلةِ المسيحيةِ التي تنطلقُ من الحُبِّ الـمُتَبادَلِ بين الزوجينِ لعَيْشِ الايمانِوانجابِ الأطفال. ولا يرتبِطُ حُبُّ الزوجَين بالقُدْراتِ البشرية، بل بوفاءِ اللّهِ لهذا العهدِ بنِعمةٍ من الروحِالقدس. وعائلاتُ اليومِ تُواجهُ تحدياتٍ عديدةً، ومنها التكنولوجياتُ الحديثةُ التي تريدُ ان تأخذَ مكانةَ الحياةِالعائليةِ احياناً، ومكانَ الزوجَينِ في عمليةِ الانجابِ احياناً اخرى. فيؤكدُ السينودس انه انطلاقاً من ايمانِنا بأنَّ اللّهَ هو وحدَه واهبُ الحياة، وأنِّه منْ غيرِ الجائزِ التلاعبُ بالجِينات ِوالـمُعطَيات ِالبَيولوجيةِ التي تجعلُا لانجابَ “غيرَ مرتبِطٍ بالعَلاقةِ الجنسيةِ بينَ رجلٍ وامرأة.” إنَّ الحياةَ البشريةَ مقدسةٌ واللّهُ وحدَه سيِّدُ الحياةِ منذُ بدايتِها حتى نهايتِها. “لا يمتلكُ أحدٌ حقَّ تدميرِ حياةِ أيِّ كائنٍ بريءٍ مهما كانت الظروف.” ويَستَشْهِدُ السينودس بقَولِ البابا فرنسيس الذي قالَ: “يُعتَبَرُ الانسانُ اليومَ سِلعَةً استهلاكيةً من الممكنِ استخدامُه ورَمْيُهُ. وهكذا أطلقْنا ثقافةَ التَّجاهُلِ وها نحنُ نُرَوِّجُ لها.”

وندَّدَ السينودس بالإباحيةِ وتسويقِ الدَّعارةِ في وسائل التواصلِ الاجتماعي، وتعريضِ الشبانِ والضُعفاءِ والقاصرينَ واستغلالِهم لهذا الغرض. وناقشَ الآباءُ موضوعَ ازديادِ أعدادِ الـمُطَلَّقينَ في مجتمعاتِ اليوم، وتَبِعاتِه الخطيرةِ عندَ الراشدينَ والأطفالِ والمجتمع ِكلِّهِ. فالأطفالُ هم أكثرُ مَنْ يُعاني من جَرَّاءِ الطَلاقِ بينَ والدِيهِم، وعلى الكنيسةِ ورُعاتِها وكهَنتِها مُرافقةُالأزواجِ المنفصلينَ، وارشادُهم لكي يُعامِلوا بعضُهم البعضَ باحترامٍ ورحمةٍ، وذلك لمصلحةِ اولادِهم والتخفيفِمن وَطأةِ هذا الجُرحِ الذي طَبعَ حياتَهم بطابعٍ مؤلمٍدونَ إرادتِهم.

3. يدعو السينودس الى المرافَقةِ الرعويةِ والروحيةِ لكل العائلاتِ المسيحيةِ كَوْنَ العائلةِ هي “خليَّةُ المجتمعِ الأولى والحيويّةُ” والناتجةُ عن اتحادِ رجُلٍ بامرأةٍ من خلالِ سِرِّ الزواجِ المقدس. هذه المرافَقةُ يجبُ ان تتوجَّهَ اولاً الى حالاتِ الـمُساكنةِ بين الرجالِ والنساءِ والتي تزدادُ يوماً بعدَ يوم، وخصوصاً عندَ الشباب. فدعوةُ هؤلاءِ لتجديدِ وعودِ عِمادِهم وممارسةِ الأسرارِ المقدسةِ،بحسبِ قلبِ الربِّ الغافرِ وعنوانِ رَحمتِه اللامتناهية،يجبُ ان تَكونَ من أُولى الأَوْلَويَّاتِ الرعَوية. امَّا موضوعُ زواجِ مِثليِّي الجنسِ، فلا يمكنُ قبولُهُ او اعتبارُه “زواجاً” لأنه يتعارضُ مع ارادةِ اللهِ في الخَلْق،لأنه في البَدءِ خَلقَ الله الانسانَ رجُلاً وامرأة، وخلقَهما على صورتِه ومِثالِه، كأساسٍ للخَليقةِ والبشَريةِ كلِّها. لكنَّه من الواجبِ الرعويِّ والروحيِّ مرافقةُ المثليِّينَ واحترامُ كرامتِهم وتلافي أيِّ نوعٍ من التمييزِ الجائرِ بحقِّهم. ومن الواجبِ أيضاً مساعدةُ العائلاتِ التي تضُمُّ في صفوفِها فرداً يُعاني منَ مَيلٍ إلى مِثْلي.

وناقشَ آباءُ السينودوس بإسهابٍ موضوعَ المطلَّقينَ والمتزوِّجينَ ثانيةً زواجاً مدنياً، وكيفيةِ مشاركتِهم في أنشطةِ الكنيسةِ والرعيةِ، كونَهم ما يزالونَ من ابناءِ الكنيسةِ وليسوا “مطرودينَ” او “محرومين”. واكدَ الآباءُ على ما وَرَدَ في رسالةِ البابا القديسِ يوحنا بولسَ الثاني في وظائفِ العائلةِ المسيحية، عدد 84 والذي يدعو فيه الى مرافقةِ هؤلاءِ روحياً ورعوياً ومشاركتِهم في حياةِ الرعيةِ ولكن دونَ امكانيةِ ممارسةِ الاسرارِ والمناولةِ قبلَ تصحيحِ اوضاعِهم. وقد اصدرَ البابا فرنسيس في شهرِ آبَ الماضي تعليماً جديداً في ما يتعلقُ بالمحاكمِ الكنَسيةِ والروحيةِ سوفَ يُساعدُ في مُعالجةِ هذه الاوضاعِ وتصحيحِها.

من ناحيةٍ أُخرى شجبَ آباءُ الـمَجْمَعِ بشدّةٍ”أَيْديولوجيةَ النوعِ البَشريِّ”(gender) الخطيرةَ على العائلةِ والمجتمع، والتي ترفُضُ الفَرقَ الطبيعيَّ الجنسيَّ بينَ الرجُلِ والمرأة ومَن يَسْعَوْنَ من خلالِها إلى اقامةِ مجتمعٍ خالٍ من الفوارقِ بين الجنسَين.

4. رسالةُ العائلةِ المسيحيةِ تبدأُ من الكنيسةِ المنزليةِ لعَيْشِ إنجيلِ العائلةِ والتدرُّجِ في محبةِ اللهِ واحترامِ القريب. فالعائلةُ مسؤولةٌ عن نقلِ وَديعةِ الإيمانِ وعَيْشِها من خلالِ الحياةِ الروحيةِ وممارسةِ الصلاةِ اليوميةِ وقِراءةِ الإنجيلِ والتأمُّلاتِ الروحية. في هذا الإطار، تتجلى حيوية الإرتباط بين الحياة الإيمانية والحياة العائلية والزوجية، فقوة الإيمان والحياة الروحية تساعد الأزواج على مواجهة التحديات وتخطي المشاكل. من هنا حقيقةُ القولِ :العائلةُ التي تُصلِّي معاً تبقى مُتّحِدةً ومُجتَمِعةً معاً.

أخيراً دعوةُ العائلةِ المسيحيةِ ورسالتُها في الكنيسةِ وعالمِ اليومِ هو أكثرُ من عنوانٍ لوثيقةٍ كنَسيةٍ مَجْمَعيَّة. أنهما انطلاقةٌ جديدةٌ لورشةِ عملٍ كنَسيٍّ وروحيٍّ ورعويٍّ يَطالُ اولاً العائلاتِ الاكثرَ احتياجاً الى مرافقةٍ روحيةٍ او دَعمٍ اجتماعي. وأمّا التطرُّقُ الى المسائلِ المرتبطةِ بكبارِ السنِّ والترمُّل والنساءِ والرجالِ والشبيبةِ والأطفالِ والتبَني والمهاجرينَ والمضطهَدينَ، فقد أعطىتْهم هذه الوثيقةُ بُعداً رسولياً ورعوياً جديداً. وما كان العَرْضُ المقتَضَبُ لتعليمِ الكنيسةِ في ما يتعلقُ بالزواجِ والعائلةِمن المجمعِ الفاتيكانيِّ الثاني الى البابا مار فرنسيس الاَّ ليؤكِّدَ على العلاقةِ العميقةِ بين الكنيسةِ والعائلةِ، مُبيِّناً الابعادَ اللاهوتيةَ والروحيةَ والرعويةَ لعدمِ انحلالِ سرِّ الزواجِ بينَ الرجُلِ والمرأة. فالتعليمُ الجديدُ في وثيقةِ السينودس هذه ظهرَ على درجةٍ كبيرةٍ من التوازنِبينَ حقيقةِ الايمانِ وصوابيةِ التعليمِ وبينَ الرحمةِ الإلهيةِ التي تطالُ الجميعَ دونَ استثناء.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


4 + eight =

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>